الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

308

شرح ديوان ابن الفارض

وطيبها باللقاء في حال طولها أكثر من طيبها في حال قصرها ، لأن في حال قصرها في نفس المحبّ العاشق بقية لها هو محب وعاشق ولذته مع المغايرة لذة كونية قليلة ، وفي حال طولها البقية للّه لا لسواه ، كما قال تعالى : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ [ هود : الآية 86 ] فاللذة أعظم ، والمقام أفخم ، وهو الطيب الدائم والنعيم اللازم ، والحاصل أن قصرها باعتبار وجود المحب العاشق سبب لطولها باعتبار فنائه وانمحاقه ، فهو تارة فان وتارة باق . وليلة الوصل تارة قصيرة منتجة للطول لكثرة أعماله الصالحة فيها ، وتارة طويلة وهكذا حال الكاملين . وقوله بدر من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » . وقوله محني في حبه من منحي ، الضمير في حبه للبدر المذكور ، والمعنى أن بلايا المحبة وشدائدها باعتبار هذا المحبوب الحقيقي منتجة للنتائج الفاخرة والعطايا الوافرة . اه . وقال رضي اللّه عنه : ما أطيب ما بتنا معا في برد إذ لاصق خدّه اعتناقا خدّي حتّى رشحت من عرق وجنته لا زال نصيبي منه ماء الورد [ الاعراب والمعنى ] « ما » هنا تعجبية . و « أطيب » فعل التعجب . و « ما » مصدرية . أي ما أطيب بياتنا معا أي مجتمعين . وقوله « في برد » متعلق بقوله بتنا . و « إذ » ظرف لما مضى . و « خده » بالرفع فاعل لاصق . و « اعتناقا » مفعول مطلق على حذف مضاف ، أي ملاصقة اعتناق ، أو هو تمييز أي لاصق خده خدي من جهة الاعتناق . و « حتى » في قوله « حتى رشحت » ابتدائية وفيها معنى الغاية ، فإن ترشح العرق من وجنته غاية الملاصقة خدي لخده . و « وجنته » فاعل رشحت . و « من » زائدة . و « عرق » تمييز . وما ألطف قوله « لا زال نصيبي منه ماء الورد » يذكر الورد . و « نصيبي » بياء النسبة منسوب إلى نصيبين ، وهي مدينة معروفة في ديار مصر « 1 » . و « زال » هذه ترفع الاسم وتنصب الخبر . و « نصيبي » اسمها . و « ماء الورد » خبرها . وفيه إشارة إلى أن خده ورد وعرقه ماء ورد . وما ألطف قول من قال : قبّلت وجنته فألوى خدّه * خجلا ومال بعطفه الميّاس

--> ( 1 ) قوله : في ديار مصر في القاموس وتقويم البلدان لأبي الفداء واللفظ الثاني نصيبين قاعدة ديار ربيعة وهي مخصوصة بالورد الأبيض ولا يوجد بها وردة حمراء الخ . وبهذا تعلم ما في كلام الشارح . اه . مصححه .